الجصاص

115

أحكام القرآن

فمضى وكان امرءا ورعا ما اختلف على ابن عباس اثنان من أهل العلم . وروى محمد بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن عطاء بن أبي رباح قال : سمعت ابن عباس ذكر الفرائض وعولها فقال : أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال قسمه نصفا ونصفا وثلثا ؟ فهذا النصف وهذا النصف فأين موضع الثلث ؟ قال عطاء : فقلت لابن عباس : يا أبا عباس إن هذا لا يغني عنك ولا عني شيئا ، لو مت أو مت قسم ميراثنا على ما عليه القوم من خلاف رأيك ورأيي . قال : فإن شاؤوا فلندع أبناءنا وأبناءهم ونساءنا ونساءهم وأنفسنا وأنفسهم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ، ما جعل الله في مال نصفا ونصفا وثلثا . والحجة للقول الأول أن الله تعالى قد سمى للزوج النصف وللأخت من الأب والأم النصف وللإخوة من الأم الثلث ، ولم يفرق بين حال اجتماعهم وانفرادهم ، فوجب استعمال نص الآية في كل موضع على حسب الإمكان ، فإذا انفردوا واتسع المال لسهامهم قسم بينهم عليها ، وإذا اجتمعوا وجب استعمال حكم الآية في التضارب بها ، ومن اقتصر على بعض وأسقط بعضا أو نقص نصيب بعض ووفى الآخرين كمال سهامهم فقد أدخل الضيم على بعضهم مع مساواته للآخرين في التسمية . فأما ما قاله ابن عباس من تقديم من قدم الله تعالى وتأخير من أخر ، فإنما قدم بعضا وأخر بعضا وجعل له الباقي في حال التعصيب ، فأما حال التسمية التي لا تعصيب فيها فليس واحد منهم أولى بالتقديم من الآخر ، ألا ترى أن الأخت منصوص على فرضها بقوله تعالى : ( وله أخت فلها نصف ما ترك ) [ النساء : 176 ] كنصه على فرض الزوج والأم والإخوة من الأم ، فمن أين وجب تقديم هؤلاء عليها في هذه الحال وقد نص الله تعالى على فرضها في هذه الحال كما نص على فرض الذين معها ؟ وليس يجب ، لأن الله أزال فرضها إلى غير فرض في موضع أن يزيل فرضها في الحال التي نص عليه فيها ، فهذا القول أشنع في مخالفة الآي التي فيها سهام المواريث من القول بإثبات نصف ونصف وثلث على وجه المضاربة بها . ولذلك نظائر في المواريث من الأصول أيضا ، قال الله تعالى : ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) فلو ترك الميت ألف درهم وعليه دين لرجل ألف درهم ولآخر خمسمائة ولآخر ألف ، كانت الألف المتروكة مقسومة بينهم على قدر ديونهم ، وليس يجوز أن يقال لما لم يمكن استيفاء ألفين وخمسمائة من ألف استحال الضرب بها ، وكذلك لو أوصى رجل بثلث ماله لرجل وبسدسه لآخر ولم تجز ذلك الورثة تضاربا في الثلث بقدر وصاياهم ، فيضرب أحدهما بالسدس والآخر بالثلث مع استحالة استيفاء النصف من الثلث ، وكذلك الابن يستحق جميع المال لو انفرد وللبنت النصف لو